-الجهلُ المُقَدَّس- (محكيات)

●- ناصر السوسي

بعيد العصر بقليل زارني يوما المدرس”خبير النشرات الجوية!!”. كان من دأبي في تلك الساعة بالتحديد متابعة أخبار العالم عبر موجات “هنا لندن،”القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية B.B.C” المأسوف على توقف بثها الإذاعي بعد نشاط استمر لمدة 85 عاما متتالية؛ والإستماع إلى”صوت العرب” الإذاعة التي لعبت، منذ تأسيسها في 4 يوليوز 1953 في القاهرة، دورا محوريا في نشر رسائل سياسية، وثقافية ذات منزع عروبي وحمولة قومية بطلاء إيديو-ناصري في الجوهر، وإذاعة “دوتشيفيلا DEUTSCHE WELLE” الألمانية، والقسم العربي من إذاعة فرنسا الدولية حيث كان يصدح صوت الإعلامي والصحفي العالمي المرحوم الأستاذ محمد باهي حرمة عاليا، محللا ومشرحا تطورات الأوضاع السياسية والاقتصادية في هذا الصقع أوذاك في عالم مضطرب، متقلب وأمسى يدخل نفقا سديميا لايرى فيه وميض سَنَا وبصيص أمل.
كما كان من مُعْتَادياتي كذلك إمتاع أذني بروائع التأليف الموسيقى العربي أيام عزه ومجده وإشعاعه، والتملي بالحناجر الذهبية لأعمدة الطرب العربي الأصيل القادمة من بعيد عبر الأثير. من أعماق المشرق العربي: ليلى مراد، وإسمهان، وشريفة فاضل، وفايدة كامل، وهدى سلطان، ونجاح سلام، ونجاة الصغيرة فضلا طبعا عن السيدة أم كلثوم؛ وأساطين التلحين الذين يتصدرهم، تاكيدا، محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، ومحمد القصبجي، ومحمد الموجي، وبليغ حمدي وكثير غيرهم.
كان يشدني فترتئذ إلى هاته المحطات الإذاعية كل ما يتعلق بالأحوال العالمية من صدامات مسلحة، وحروب إيديولوجية بين حلف وارسو وحلف شمال الأطلسي، وفلسفة “عدم الانحياز”، والإرهاصات الأولى للانتقال من السوق الأروبية المشتركة نحو تكتل ينحو نحو اتحاد أوروبي..
ومن المحقق أن هاته المحطات الإذاعية المشار إليها لم تسهم فحسب في بلورة وعي ثقافي وسياسي لابأس به لدى مستمعيها من خلال برامجها القوية؛ والتثقيفية نظير “السياسة بين السائل والمجيب” لجميل عازر، أو”العالم هذا المساء”لماجد سرحان، أو”قول على قول” لحسن الكرمي اللغوي الضليع، أو برنامج “الكتاب الأسبوعي”المخصص لمراجعة أهم وأبرز الكتب حديثة النشر سواء في العالم العربي أو أوروبا.
كانت تلك البرامج من مستوى رفيع جدا لأهميتها التنشيئة، وجدواها التثقيفية وفائدتها التوعوية، بالنظر إلى قيمة المشرفين والقيمين عليها، ومنزلة المدعويين لمناقشة مختلف القضايا الساخنة في تلك المرحلة التاريخية.
ينضاف إلى ماسلف أن تلك الإذاعات اسهمت بدرجة عالية في تشكيل ذوق فني عالي الشأن، وتنمية حس جمالي رفيع المستوى لدى أجيال ذلك الزمن، ومن مختلف الطبقات الاجتماعية، وبالأخص شرائح الكِدِّيحِين من صناع تقليديين، وحرفيين، ومياومين وتجار صغار..
هذا ومما كان يضفي رونقا أخاذا على ذلك البث الإذاعي تواتر أصوات المذيعين وأنغام المطربين الذي يعلو وينخفض جراء البث بالموجات القصار الشيء الذي كان يضفي على تلك الأصوات رونقا جميلا لشد ما كنت أستمرئه، وأستطيبه في عز انزوائي ولحظات انقطاعي عن محيطي.
وأذكر أنني كنت في عطلة بينية ذات عام، منهمما بأعمالي في مكتبي لما قدم إلى بيتي، في زيارة عابرة مفاجئة، الزميل المدرس”عالم المناخ”، صاحب تعليقات” النشرة الجوية” العجيبة، و”العارف” “الخبير” بقياسات التساقطات المطرية بطريقته الخاصة. أذكر أن الرجل بمجرد ما استوى على أريكة من القصب وسط فناء البيت أغرقني في سيل من سردياته الأثيرة اللاتنتهي حول مغامراته “الكازانوفية”، و”أفاعيل” الجنس اللطيف، ولتعرج محكياته إلى التذمر من غلاء الخضروات في السوق البلدي، ونوع الفطائر غير الشهية التي اقتناها بالأمس من بائعة الخبز على رصيف الشارع، وفوائد”الشيبة والعطرشة” في الفصل المطير، و” نبتة لمخينزة”ونجاعتها المطلقة في مقاومة نزلات البرد الحادة التي استبدت بكثير من الزملاء.
بذكائه الغريزي، لحظة ما، أدرك زائري بعض شرودي. كان يحدثني بينما جوارحي وذهني مصوب نحو جهاز الترانزيستور الذي تركته على منضدتي إذ كنت منشغلا بتتبع مجريات، وتطورات قضية ناقلة النفط “خرج 5 الإيرانية” قبالة مياهنا الإقليمية، في بطن المحيط الأطلسي. خيم صمت. كان وحده صوت المذيع المنبعث من جهاز الترانزيستور هو الذي يتردد داخل فناء البيت. حدق إلي”خبير النشرات الجوية” ففاه ب ” فَرَنْبِيَةٍ (=فرنسية ركيكة مختلطة بعربية اكثر ركاكة)”: “ياااااه.. يااااه.. ياااا لطيف!!!! يا لطيف منكم آصحاب الفلسفة!!!! واش نتوما لاشغل لكم في هذه الحياة غير الدراسة، ولقْرَايَة، ومتابعة الأخبار !!! والله إلى هاذ الفلسفة لي كاتقراو خرجات عليكم. فَلْسَتْكُمْ فَلاَس كبير نتوما LES CULTIVATEURS!!!!! (=يقصد LES CULTIVÉS) عقولكم تَلفُو مع الراديو، وأوراق الكتب ، والجُّورْنَنَات!!!! ”
لم أعقب. كنت فقط أردد في دواخلي:
وما الجَهْلُ إلاَّ دَاءُ عَقْلٍ مُقيم وَصَاحِبُهُ فِي النَّاسِ غَيْرُ سَلِيم

Related posts

Leave a Comment