●- ناصر السوسي
و أنا أقرأ بعض ماتيسر لي قراءته، هنا وهناك، عن مهنة التدريس، ووظيفة التعليم، ومهمة الأستاذية، وبناء الأجيال؛ استحضرت حافظتي بُرْهَةً مؤلفا بالغ الأهمية كتبه المفكر الكَوْنِي وعالم الاجتماع EDGAR MORIN بعنوان” LA TÊTE BIEN FAITE, REPENSER LA RÉFORME, RÉFORMER LA PENSÉE
وقامت بنشره دار LE SEUIL بباريس عام 1999ضمن سلسلة L’HISTOIRE IMMÉDIATE.
غنيٌّ عن البيان أن فرنسا متى واجهتها معضلات بعينها تسارع إلى الإنصات إلى آراء مفكريها، وتحليلات فلاسفتها، أو طلب استشارة سوسيولوجييها، و أدبائها بفخر لافت، وتقدير كامل لكل الاقتراحات التي تقدمها نخبتها المثقفة لاستنتاج مايمكن استنتاجه من افكار موضوعية، وتوجيهات معقولة للمسأليات الثقافية، ولمختلف الإشكاليات الفكرية والاجتماعية المطروحة على طاولة النقاش مادام الأمر يعني السياسات العمومية وشؤون المجتمع: إميل زولا ZOLA وقضية درايفوس ALFRED DREYFUS، أندري مالرو ANDRÉ MALRAUX وصلته المتينة بشارل دوغول على سبيل الذكر لا الحصر..
بالأمس القريب، وبالنظر إلى إرهاصات التحول الشمولية التي أضحت تعتمل في العالم، وأمام الانتفاضات العنيفة التي عُرِفت بظاهرة LES BANLIEUSARDS في العاصمة الفرنسية باريس، نحا التفكير يومذاك منحى النظر في إعادة إدماج جديد لشباب الأطراف كيما لا تتكرر مرة أخرى، أو بطريقة ما مقولة JE VOUS AI COMPRIS الشهيرة، او تجربة منتصف ثمانينات القرن الماضي التي وسمتها الصحافة الفرنسية فترتئذ ب “MAI DE DÉCEMBRE”- دجنبر 1986- مع مشروع الإصلاح الذي اقترحه وزيرالتعليم في حكومة جاك شيراك السيد ALAIN DEVAQUET (=من حزب R.P.R).
كان ذلك من دواعي مناداة فرنسا على قادة فكرها ونخبتها المرموقة من كبار محاضري COLLÈGE DE FRANCE، الصرح العلمي العتيد الذي يعد بحق فخر المعاهد الكبرى، والثقافة الفرنسية الراقية HAUTE CULTURE من اجل وضع اللبنات الأساسية لإصلاح هيكلي ديموقراطي يعيد إدماج كافة المتعلمين ضمن منظومة تربوية تحظى بتوافق جميع مكونات المجتمع. وبناء عليه كانت”استراتيجية الوحدة الدراسية MODULE”التي وضع أسسها وقواعدها فريق أشرف عليه باقتدار وجدية الأساتذة: PIERRE BOURDIEU و JACQUES DERRIDA، بمعية آخرين يتفردون سوية بتكوين رفيع المستوى.
إدغار موران، من جهته، قدم اقتراحات وجيهة، وبناءة من أجل الولوج إلى الجامعات شبيهة من حيث خطوطها العريضة ببرنامج التمهيد الأكاديمي PROPÉDEUTIQUE ومفادها أن يدرس الطالب سنة بعد الباكالوريا لإكسابه قاعدة ثقافية عامة، ومتينة كفيلة بتأهيله للتعليم الجامعي اعتبارا لما عاينه من اهتزاز، وتذبذب في الزاد المعرفي، والتحصيل العلمي المتواضع لتلامذة الباكالوريا أمام اكتساح الكوننة/الكوكبية للعالم وماترتب عليها من تحولات أقرت الفجائية، وطابع اللااستقرار واللايقين في كافة مجالات الحياة جراء السرعة الفائقة، والاستهلاك اللاعقلاني اللانقدي للصورة وهو ماتحصل منه انتشار التفاهة والتتفيه بشكل غير مسبوق بين شرائح عريضة من شباب مجتمعات التخلف. الشيء الذي جعل كل من له صلة بحقل التربية يتساءل حول المصير المحتمل، ومآل الأجيال الطالعة، وبكل ما يرتهن بتأهيلهم، وبناء شخصياتهم وفق ما يتطلبه منطق مجتمع المعرفة اليوم من تكوين مستمر، و من إقدار واقتدار، وبالتالي من عقلانية وفعالية..
أو لايسائلنا السرد الممتع الذي ساقته الروائية””أليف شافاك”في”بنات حواء الثلاث” حول الأسلوب البيداغوجي الأُوكْسْفُورْدِي OXFORDIAN المدهش والمغري إلى أبعد الحدود لكل مهتم بالشأن التربوي؟
بمطلق الأحوال، ليس ثمة شك أن الأمم لن ترتقي إلا بإقرار منظومة تربوية-تعليمية متينة تَنْهَلُ من مشروع مجتمعي واضح المعالم، وتعتمد في حيثياثها على العقلانية، والمرجعية الفلسفية بوصفها رافدة للنقد التطويري، والديموقراطية بما هي ضامنة للحق في المغايرة، والقبول بالاختلاف بكل أشكاله وصوره.
ارتقت سنغافورة، وقبلها اليابان في مدارج العلم، والمعرفة الدقيقة لأن المعلم كان قطب رحى تينك النهضتين لذلك حظي بتقدير عز نظيره داخل ذينك المجتمعين.
وحري بنا، هاهنا، الإشارة إلى”مستقبل الثقافة في مصر”(=1937) الكتاب الذي ضمنه طه حسين منظوره وتصوره لقضية التعليم بما هي الأس الذي لامحيد عنه لبناء العنصر البشري مبتدا ومنتهى كل مشروع مجتمعي نهضوي شامل.
ولعلنا نذكر، في السياق عينه، الصراع المرير الذي خاضه صاحب”في الشعرالجاهلي”مع دعاة التقليد والارتباط بالماضي، وأنصار الانكفاء والنكوص الفكري، ودهاقنة الجمود والتختر الهوياتي وهو مُنْهَمِمٌ بنشر بذور التقدم، ومنشغل بإرساء مرتكزات الحداثة اعتمادا على الشَّكِّيَّة الديكارتية.
وكذلك قبله فَعَلَ الشيخ الأزهري “رفاعة رافع الطهطاوي” في”تخليص الإبريز في تلخيص باريز”وهو يتأمل في باريس ماسماه”التقاليد الفرانساوية”.
وإذا كانت الأمثلة كثيرة، والنماذج متعددة فلست أدري لماذا طفا على سطح وعيي، حَالاً ومَوْضِعًا، الكتاب المتميز للمستعرب الياباني”نوبو أكي نوتوهارا: “العرب بعيون يابانية”وبالأخص حينما اورد في إحدى صفحاته فقرة تحدث فيها عن جامعي مصري اشتغل مدرسا للغة العربية في اليابان. يذكر “نوتوهارا” أن الأستاذ المصري ساوره شك حول ماهيته الشهرية المحترمة التي تقاضاها لأول مرة. شك في المبلغ ابذي توصل به فهب إلى إعادته إلى المؤسسة الجامعية التي يشتغل لديها. ظن الرجل أن المسؤولين ربما بالغوا في قيمة الراتب الذي توصل به ليتفاجأ برد رسمي مفاده أنه يستحق راتبه ذاك اعتبارا لوظيفته كأستاذ محترم في قارة اليابان!!!!!. خاطبه المسؤولون بقولهم أن وظيفته كمكون للأجيال أكثر شأنا من مهمة وزير حكومي لديهم!!!!
عَلَى وَطَنٍ تُصْبِحُون،
وَعَلَى وَطَنٍ تنامون..
(ناصر السوسي)
