– العصر الذهبي للأزمات النفسية –

● ناصر السوسي

صديقي الذي لم اره منذ سنين خلت، برهة، هزه الشوق ولوعة الحنين إلى الأيام الخوالي بمدينتنا الملونة حاضرة المحيط، مرتع الصبا، وشغب المراهقة وفورة الشباب.
صديقي خبرني بحشرجة شجية في الصباح الباكر عن تشكلات حزن حسبته عابرا مثل سحابة فوق هَيْمِ فَلاَةٍ. اعلم جيدا انه لايزال في اوج المرح، ومنتهى الحيوية والنشاط رغم تقدمه، مثلي، في العمر. ظل، بين جوانحه، يحضن قلب. صبي برئ مقبل على صدفة الحياة عرضا وطولا. محبا لها، ولمتعها المتنوعة.
صديقي هذا أنبأني أيضا أنه لم يعد ينام كما ديدنه بسلاسة ويسر. احس باختناق كَدَّرَ مزاجه. الضجره الذي تملكه غير معتاد. إلى أوصاله دَبَّ سقمُ وهو يقبع ببيته بين حيطان اربعة. أصغيت لبلواه. لمحنته في هاته الأيام العصيبة التي يجتازها عالمنا اليوم على جميع الصعد وعلى كافة المستويات..
ما الخطب ياترى؟!هل لِسُهْدِ صاحبي صلة ما بعُصَابِ الضجر والقلق او بخوف الإعياء؟ ام بفوبيا الحروب ورهاب المجهول؟ أم بهلع الفوضى التي تعرفها السياسات والعلاقات بين كيانات بالأمس كانت دولا؟ ام باهتزاز المعايير، وانقلاب القيم رأسا على عقب؟…
وأنا افكر في حالة صديقي طَفَتْ على ساحة اناي مقولة بليغة للمفكر وعالم النفس العربي البروفيسور المصطفى حدية مفادها إن كانت هنالك من سمة ينبصم بها عصرنا الراهن فلنقل إنه حقا “العصر الذهبي للأزمات النفسية”.
كنت اتأمل رنين صوت صاحبي وتموجاته، فأستحضر انعطافات، ودوامات العالم خلال عشرينات وثلاثينات القرن المنصرم، وإعصارات همجية التوتاليتارية المناهضة لحقوق الإنسان الأساسية، والمعادية جملة وتفصيلا للحريات العامة ولكل ما يمت لثقافة الاختلاف الديموقراطي… يمينية فاشيستية جحيمية كانت او يسراوية شمولية “مُسَفْيَتَة” بتعبير كل من HANNAH ARENDT و” ياسين الحافظ”..
رويتُ لصديقي ذلك، وأنا أشنف أذنَيَّ بفالص من إبداعات الموسيقار ANTONIN DVORAK، كما رويت نكتا قشيبة كما عهدني حينما اتواصل معه. فقلت: ” افتح الفصل السابع من محاورة “الجمهورية” لأفلاطون، و ارتَمِ وسط احضان الرجال المسلسلين. وابحث عن طريقة مناسبة تخلصهم بها من أغلال قيودهم !!!! وبُعَيْدَ ذلك اعرج على “محاورة فيدون PHÉDON” لتقترب، قدر مكنتك، من شروحات سقراط لتلامذته يعرض عليهم سر خلود النفس، و قد كان مقبلا في دواميس الفجر على انتقام السوفسطائية، وحقد “الديموقرطية الأثينية”على الرأي المغاير..
فليس ثمة ما هو أمر ، وليس ثمة ماهو أشد وقعا على النفس من الحيرة.. والمتاهة… من التيه الوجودي ياصديقي على اعتبار أن “أبعد البُعَدَاء من كان بعيدا في محل قُرْبِه “كما كتب المفكر المغربي الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي في “الفلسفة فنا للعيش”. لذلك:
تعلم بانتظام.
اقرأ باستمرار.
تكلم باقتضاب.
انصت بأذن حكيم..
وتَمَلًّ بالأقحوان متى سَرْبَلَ أديم أرضنا في مواسم الربيع..
و انطلق إلى حيث الحياة مادام في العروق دفق دم، ومادام في القلب نبض حياة. ومع ذلك اعلم ياصديقي أننا “لانستطيع أن نعرف إلا مانصنع أونعمل.” مثلما كتب الفيلسوف والمنطقي BERTRAND RUSSELL في مصنفه “حكمة الغرب”. وتلك هي الحكمة البليغة التي تلفظ بها الحكاء العربي الكبير نجيب محفوظ بين دفتي عمله الروائي “أمام العرش “: “ان يموت الإنسان وهو يبني المجد خير من ان يموت بلذغة ثعبان.”….

Related posts

Leave a Comment